• الثلاثاء 2 شوال 1438 هجري | 27 / حزيران - يونيو / 2017 ميلادي

    كربلاء المقدسة:

    English عربي

    بوابة كربلاء الإلكترونية

    حالة الطقس في كربلاء المقدسة
    المقالات
    ابن فهد الحلي..,رجل الأدوار المشرقة
    تاريخ النشر: 2014/08/31 الساعة: 02:39 2982


    محمد طاهر الصفار

    شكّل قدوم هذا العالم الجليل إلى كربلاء نقطة مضيئة في تاريخ المدينة, وأحدث نقلة كبيرة في تاريخ الحركة العلمية فيها, حيث بلغت هذه الحركة أوج نشاطها وازدهارها مما جعل كربلاء في مركز الصدارة العلمية والزعامة الدينية لدى الشيعة, إذ بذل هذا الشيخ الجليل جهوداً كبيرة في نشر تراث أهل البيت(ع), ودحض البدع والضلالات ومحاربتها, فكان الأمين والصلب والشجاع في دفاعه عن الدين والمذهب.

    ولد الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن فهد الأسدي الحلي عام (756هـ) في الحلة التي كانت حاضرة من حواضر العلم والفقه عند الشيعة, ولم تتحفنا المصادر بشئ عن بداية حياته العلمية فيها سوى ما ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج3ص147) حيث روى عن السيد علي بن عبد الحميد النيلي في إجازته للشيخ ابن فهد قوله: (بأنه ــــ أي ابن فهد ــــ كان أحد المدرسين في المدرسة الزعنية في الحلة السيفية), وكان ذلك قبل قدومه إلى كربلاء.

    ولم تشر المصادر إلى سنة انتقاله إلى كربلاء, لأن أغلب المصادر في هذا الجانب لا تتحدث عن تفاصيل حياة هؤلاء العلماء, بقدر ما ينصب اهتمامها على الجوانب العلمية والفقهية والتأليف والمناظرة وغيرها من الأمور العلمية.

    غير أن هناك إشارة في كتاب الأربعين للشهيد الأول محمد بن مكي الذي كان معاصراً للشيخ ابن فهد تدل على أن الشيخ ابن فهد سافر إلى جبل عامل وهذه الإشارة وضعها ابن فهد تقول:

    (حدثني بهذه الأحاديث الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو الحسن علي بن الشيخ الإمام الشهيد ابن عبد الله شمس الدين محمد بن مكي جامع هذه الإحاديث (قدس الله سره), بقرية جزين (حرسها الله تعالى من النوائب) في 11من شهر محرم الحرام افتتاح سنة 824ه), ولا يُعرف إن كان سفره إلى جبل عامل كان قبل قدومه من الحلة إلى كربلاء أم بعدها.

    تتلمذ الشيخ ابن فهد على يد كبار العلماء والفقهاء وروى عنهم منهم:

    فخر المحققين الفاضل السيوري صاحب كنز العرفان, والشيخ علي بن الخازن الفقيه, والعلامة السيد مرتضى بهاء الدين علي بن عبد الكريم بن عبد المجيد النسابة الحسيني النجفي, وابن متوج البحراني وغيرهم وهؤلاء كانوا من أجلاء تلامذة الشهيد الأول محمد بن مكي.

    قدم ابن فهد الى كربلاء ليؤسس مرجعية كبيرة ومركزاً علمياً كبيراً بعد أن انحسر دور جبل عامل باستشهاد الشهيد الأول محمد بن مكي, فانتقلت بانتقال ابن فهد المرجعية الدينية والعلمية الشيعية إلى كربلاء.

    عُرف ابن فهد بغزارة العلم, والورع, والتقوى, والزهد حتى عدّه البعض من المتصوفين, وفي الحقيقة أن العلماء الأفذاذ أمثال ابن فهد الحلي لم يكونوا متصوفة بمعنى الاصطلاح الحالي بل كانوا خالصين لله بعيداً عن ملذات الدنيا كما يقول السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج3ص147) ترجمة ابن فهد الحلي في بيان رده على هذا القول:

    (فالتصوف الذي ينسب إلى هؤلاء الأجلاء مثل ابن فهد, وابن طاووس, والخواجة نصير الدين الطوسي, والشهيد الثاني, والبهائي وغيرهم, ليس إلّا الانقطاع إلى الخالق (جل شأنه), والتخلي عن الخلق والزهد في الدنيا والتفاني في حبه تعالى).

    حفلت الفترة التي عاشها ابن فهد بالتقلبات السياسية, وظهور التيارات الفكرية والدينية المنحرفة, وظهور البدع والضلالات, فقد ظهرت في ذلك الوقت فرقة المشعشعية التي أسسها محمد بن فلاح المشعشعي والذي كان من تلاميذ ابن فهد فأظهر الغلو والبدع والضلالات وجمع له أتباعاً منحرفون, فتصدى ابن فهد لتلك الفرقة وأفتى بقتل المشعشعي غير أن الأخير استطاع الهرب وظهر بعدها ليقيم الدولة المشعشعية بعد موت أستاذه.

    كما عاصر ابن فهد سقوط الدولة الجلائرية فكان من الطبيعي أن يرافق هذا السقوط ظهور الفتن فكان ابن فهد أمام مسؤولية كبيرة في الدفاع عن الإسلام ومذهب أهل البيت(ع), فقد انعكست تلك الأحداث والاضطرابات على الحلة وكربلاء كونهما مدينتين مهمتين من مدن الشيعة.

    فبعد سقوط الدولة الجلائرية عام (835هـ) والتي كانت تتخذ من الحلة مقراً لها, وكان يحكمها حتى هذا التاريخ حسين بن علاء الدولة الجلائري وهو آخر حكام هذه الدولة, تولى الميرزا إسـﭘند (أسـﭘان) بن قرا يوسف التركماني العراق عام (836ه), وهو حاكم سني عسكري فطلب من علماء الشيعة مناظرة علماء السنة, فكان على ابن فهد وهو زعيم المدرسة الشيعية أن يتصدى لهذه المناظرة ورد شبهات الخصوم والتغلب عليهم في بيان حقيقة عقائد الشيعة وأحقيتها, فأظهر في ذلك جدارة أفحمت الخصم مما دعى الحاكم (أسـﭘان) إلى التشيع وإلقاء خطبة الجمعة باسم أمير المؤمنين وأولاده المعصومين(ع) وضرب السكة باسم الإئمة الإثني عشر(ع).

    كان ذلك عام (836ه) وقد نقل السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج3ص148) تلك الحادثة عن الشيخ عبد النبي الكاظمي نزيل جبل عامل في كتابه (تكملة الرجال) قوله:

    (وقد ناظر ــــ أي ابن فهد ــــ في زمان ميرزا أسـﭘند التركماني والي العراق جماعة ممن يخالفه في المذهب وأعجزهم فصار ذلك سبباً في تشيع الوالي).

    لقد كان ابن فهد مدركاً للمسؤولية التي كانت تقع على عاتقه في مثل هذه المواقف, وكان أميناً على الشرع, مؤمناً بعقيدته, مستعداً للدفاع عنها برباطة جأش, وصلابة إيمان, وكان قوياً في دفاعه وعلى يقين من حجته وبرهانه, بليغاً في بيانه إلى الحد الذي جعل الحاكم السني العسكري أن يستسلم للحجة ويذعن للحق, ليعلن تشيعه على الناس.

    ازدهرت كربلاء أكثر بعد تلك الحادثة بالحركة العلمية, ونشطت الدروس والحلقات الدينية, وأصبحت قبلة العلماء والطلاب القادمين إليها من سائر البلدان, وتخرج من مدرسة ابن فهد الكثير من العلماء الذين تصدروا الحركة العلمية من بعده والذين كان لهم شأن كبير على الساحة العلمية والفقهية يروون عنه أحاديثه وعلمه وأبرز هؤلاء العلماء:

    الشيخ عز الدين حسن بن علي بن أحمد بن يوسف الكركي العاملي.

    الشيخ ظهير الدين بن علي بن زين العابدين بن الحسام العاملي العيناثي.

    الشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري.

    الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي الحلي.

    الشيخ رضي الدين ابن راشد القطيفي.

    الشيخ زين الدين علي بن محمد بن طي العاملي

    السيد محمد نور بخش, وغيرهم من كبار العلماء.

    ومثلما حفلت حياة الشيخ ابن فهد الحلي بالتدريس والمناظرة, فقد حفلت بالتأليف والتصنيف, فقد ألف أكثر من عشرين كتاباً تشير بعضها إلى أن دور مرجعيته لم يقتصر على كربلاء, بل تعدى إلى العراق والشام والخليج والجزيرة, كما تشير هذه الكتب إلى أنه كان المرجع الأعلى للشيعة في العالم, حيث ذكرت المصادر إلى أن ابن فهد ألّف كتاباً اسمه (المسائل الشاميات) وهي مجموعة مسائل أجاب عنها الشيخ ابن فهد وردت إليه من الشام عن بعض الإستفتاءات الشرعية, ومثله كتاب (البحرانيات), ومثل هذين الكتابين يدلان على ما يتمتع به ابن فهد من سلطة روحية ومكانة دينية وعلمية كبيرة في نفوس الشيعة في جميع البلدان في ذلك الوقت.

    وإضافة إلى هذين الكتابين فقد ألف ابن فهد كتاب (عدة الداعي ونجاح الساعي) و(آداب الدعاء) و(استخراج الحوادث) و(أسرار الصلاة) و(تاريخ الأئمة الاثني عشر) و(التحرير في الفقه) و(التحصين في صفات العارفين من العزلة والخمول بالأسانيد المتلقاة عن آل الرسول) و(ترجمة الصلاة) و(تعيين ساعات الليل وتشخيصها بمنازل القمر) و(مصباح المبتدي وهداية المهتدي) و(المقتصر في شرح إرشاد الأذهان) و(الموجز الهادي) و(البارع والموجز الحاوي) وغيرها.

    بعد حياة ملؤها العلم والعمل توفي الشيخ ابن فهد الحلي في كربلاء عام (841ه) ودفن في بستان قريب من الروضة الحسينية المقدسة ومزاره شاخص يروي للأجيال دروس العلم والفضيلة.

    
    للأعلى